الأحد، 9 ديسمبر، 2007

الرأي بين "العرض" و.."الفرض"


الرأي بين العرض والفرض ...والفشل الحواري ..
هذان عنوانان لموضوعين بغاية الأهمية برأيي ..
من أقوي الآفات الاجتماعية التي أصبنا بها هي "انعدام الحوار" بين الناس ...
الفشل في ادارة الحوار والاخفاق "الشديد" في توصيل المعلومة ..
ربما تكون هذه الآفة كأي مرض آخر "الوقاية منه خير من العلاج"...
لكن مشكلتنا هي انه مرض قائم فعلا بهذا الجيل لكن ربما يستطع الجيل القادم"الوقاية"...
لم هذا الاخفاق أو "الفشل الحواري"ربما يكون لعدة أسباب منها :
أولا : عدم معرفتنا أو عدم ايماننا بالاختلاف:
1- اختلاف المدخلات ومن ثم اختلاف المخرجات تبعا لها:
البعض أو الكثير منا يعلم أن جهاز الكمبيوتر الخاص بك ماهو الا عقل من صنع الانسان ربما يقوم "ببعض" العمليات المشابهة لعقل الانسان
انك تقوم بادخال بعض "المدخلات" الي جهازك ثم يقوم الجهاز ببعض العمليات لتأخذ أنت منه "المخرجات"...
فمن البديهي جدا والحتمي أن المخرجات ستختلف باختلاف كل من ..
ا)المدخلات الي الجهاز
ب) العمليات القائمة داخل الجهازاذا اعتبرنا ان المدخلات هي "المعلومات" وداخل ثنايا العقل يتكون "الافكار" نتيجة لعمليات التفكير الخاصة بكل منا ... فان المخرجات هي "الآراء" ...
ان عقل الانسان يعمل علي اختزان المعلومات بين ثناياه ..
ثم بتجميع وترتيب هذه المعلومات يتكون لديه الأفكار وينتج عن هذه الأفكار الآراء...
نتيجة للظروف المختلفة التي يمر بها كل واحد منا فان ايضا اختلاف المعلومات المختزنة لدي كل واحد منا ..
شيء طبيعي و حتمي جدا ...
اذا نظرنا لهذه الفلسفة العقلية ستعلم أن من الطبيعي جدا اختلاف الآراء ..لان المدخلات مختلفة تماما وأسلوب التفكير مختلف ...
2-اختلاف وجهات "النظر الي درب الحياة" عبر الزجاج المختلف لـــ "حافلة الحياة" :
اذا نظرت الي الحافلة (الباس) فان به أربع أماكن تغطيها الزجاج ..
زجاج أمامي وآخر خلفي وزجاجين علي الجانبين اليمين واليسار ...
ربما أنك تستقل نفس الحافلة أنت وأخيك ولكن ربما أنت تجلس للأمام علي اليمين وأخيك يجلس بالمنتصف علي اليسار ..
اذا سألته في لحظة ما ..(ماذا يري عبر زجاجه)...
ربما يجيبك أنه يري بيت أخضر ذو 6 طوابق ...
أما أنت فأنت تري بيت أبيض ذو طابقين !!!...
منظقيا وطبيعيا فان نظرتك عبر زجاجك الأيمن ببداية الحافلة..
تختلف كليا عن نظرة أخيك عبر زجاجه الأيسر في المنتصف ...
وأنت نفسك اذا مرت الحافلة بك خلال طريق سفر فانت تنظر من خلال "نفس الزجاج" ولكن ما تراه مختلف تماما ...
ان الحياة مثل الحافلة تماما ...
ربما أنت وأخيك سكان نفس المنزل ونفس التربية ولكن نظرته الي درب الحياة تختلف كلية عن نظرتك ...
وأنت نفسك خلال مراحل عمرك المختلفة تختلف وجهات نظرك الي الحياة ربما كليا ...
اذن الاختلاف ليس واردا فحسب بل هو منطقي وطبيعي ...

ثانيا: الاصرار علي "فرض الرأي" وليس "عرض الرأي ".:.
اذا آمنت أنا بالاختلاف سوف أؤمن بأن الحوار ما هو الا عرض لآرائي فقط وليس أبدا "فرضا" لأي رأي ...
والهوة بين الاثنين عميقة والفرق بينها شاااااااااسع ..
نسبة الي ماقاله الاستاذ الدكتور وين داير وهو الملقب بأبو التطوير الذاتي ...
يقول أنه لا يوجد بالحياة "خطأ مطلق".. أو " صواب مطلق"..
لا يوجد "فشل مطلق".. او "نجاح مطلق"...
بل يوجد درجات بينهم...
لذا اذا طرحت أنت فكرة أو وجهة نظر ما تراود ذهنك وحاولت اثبات هذه الوجهة بالبراهين والدلائل وربما بالمنطق ويكون طرحك بهدوء وفي حدود الائق وفي نطاق "الأدب"..
بنفس الوقت تكون منتظر ومتوقع ومتقبل لأي اعتراض علي هذه الوجهة لأن وجهة نظرك هي "صواب تحتمل الخطأ" ...
وأيضا عند طرحك للرأي او الفكرة تبدأ بــ" رأيي" .. أو "ربما"... أو "علي ما أظن.."اذن ... أنت "تعرض" رأيك.
أما اذا طرحت فكرة ما بداخلك وتبدأ بــ"ان"...
الا اذا كنت تتكلم عن وقائع علمية وليست فكرة من صميم عقلك واذا لم يسألك أحدا عن رأيك ...
واذا اعتبرت أن رأيك هو الصواب ولا يحتمل أي خطأ ...
ولا يوجد غير دربك ... دروب ...
واذا قاتلت بعنف وبدون أسباب واضحة واذا افتقدت ذوقيات الحديث ....وأذا أنكرت بشدة آراء من حولك ....
فأنت "تفرض" رأيك ..الغريب والجميل بنفس الوقت ..
أن هذا القتال أبدا لن يصلك الي غايتك بالنهاية...
وأن أحدا لن يقتنع بأي من أفكارك وربما لن يستمع اليك أو يدخل معك في حوار آخر ...وسيعرف الجميع أنك من "الفاشلون حواريا"...
أما عند عرضك للأفكار بالمنطق والهدوء ...فان الكثير من الناس سوف يستمعون الي حوارك ...وربما يكون لك تأثير واضح عليهم ...وتصبح أنت من "الناجحون حواريا"..
لكل فعل رد فعل ولأن "الحوار".. هوتبادل الحديث بين اثنين ...
أحدهما "معطي أو متحدث ".. والآخر "مستقبل أو مستمع "..
وبما أن "لكل فعل رد فعل مساو له في المقدرا ومضاد له في الاتجاه" ...
اذن اذا"عرضت" رأيك بهدوء ...فان الآخر سوف يستمع الى ما تقول بنفس الهدوء ...أما اذا "فرضت" رأيك بعنف ....فان المتلقي سوف يغلق آذانه عما تقول "بنفس العنف" ...

ثالثا: التطرق للأفرع والبعد عن المضمون:
التفرع أو التطرق للتفرعات الحوارية من أهم أسباب الفشل الحواري ...ومعرفة المضمون ولب الموضوع والتركيز عليه فقط هو من أنجح سبل "الحوار الهاديء"...
مثال :يمكنك ان تبدأ حديثك مع مديرك بالعمل عن بعض المتطلبات لعملك والضرورية منها مثل "جهاز كمبيوتر خاص بك"...
ركز علي هذا جيدا واعلم أن هذا هو لب موضوعك وأساس حوارك ...
اذا تطرقت أنت خلال حديثك معه عن "سوء التخطيط" مثلا ...
ربما يجرفك التيار الي احساس مديرك بأنك تتهمه بسوء قيادته للعمل وأن سوء التخطيط هذا نابعا من فكره الغير واعي وربما يتهمك بأنه (تم سبه وقذفه علنيا)...
وصدقني اخي لن تنال هذا الجهاز أبدا ما حييت ...
لكن اذا ركزت بحوارك فقط علي مواصفات الجهاز الرائعة وكيف سيزيد من انتاجك بالعمل وكيف أنه رغم مواصفات الجهاز سعره لن يكون غاليا ...وتنهي حوارك بــــ "عموما الرأي رأيك يافندم وأنت تعلم جيدا متطلبات العمل وما يزيد من كفاءته ولا انتظر منحك الرد سيدي الآن لقد عرضت عليك فكرتي فقط لكي تفكر بها "صدقني ربما بعد عدة أيام ستجد مديرك يناديك لكي يخبرك عن موافقته
جميل أن يكون لك رأي وجميل أن تعرضه
لكن تفنن في عرضه
وسيء جدا أن تحاول "فرضه" على من حولك
ودمتم سالمين

هناك 4 تعليقات:

che_wildwing يقول...

النظام السائد في التعامل بين الأفراد في مجتمعاتنا
هو
اعرض رأيك وسأفرض رأيي
أو نرى البعض يقبل الرأي ولكنه أبدا لا يقبل الرأي الآخر

الساحر يقول...

السلام عليكم سيدتي
كيف حالكِ ؟
هل اقول رائع ؟!
أم أقول تحليل منطقي لما أمر به ؟ وما كان يجب أن يحدث ؟

على كلٍ يقولون عني أنني عنيد للغاية , لكن هذا لأنني أحاور من أمامي بالمنطق و أنتظر منه حوارا مماثلا , لكن لا أجد هذا الحوار بكل أسف , بل أجد تعنت و فرض للرأي بصورة تجعلني أغضب كثيرا في كل مرة أتعرض لمواقف كهذه ..
الصواب المطلق و الخطأ المطلق لا أعترف به شخصيا و جيد أن أجد نظرية تقوم على هذا الأمر , فما يكون صحيحا و مناسبا لي فهو غير ملائم لغيري , و العكس صحيح ..

أما عن الحوار عن الأساسيات فكل الصراعات التي دخلت فيها طرفا كنت أحرص على غلق الباب أمام من أمامي في توسيع دائرة النقاش , و لأن المشاكل دوما ما تكون جماعية و لأن ليس الناس كلهم أنا و لست كل الناس فينتهي بي الأمر منسحبا من هذا الصراع تاركا من حولي - بعد تحذيرهم من قبل بالطبع كثيرا - يغوصون مع الآخرين في مستنقع التوسع ..
كلمة سمعتها من أستاذي العزيز الشيخ أحمد ديدات رحمه الله .. ناقش حول الأساسيات دوما .. وهو محق في كلمته تلك ..
شكرا على هذه المقالة التي استفدت منها ..
لي عودات
تحياتي
الساحر ..
رابطة العصبة الحداثية الأدبية ..
ملحوظة :
مدونتي هنا قديمة و لم أدخلها منذ زمن , مدونتي الحالية هي :
http://tagsdat.wordpress.com
لكن التعليقات هنا غير مسموحة إلا لمدونات بلوجرز .. مجرد ملحوظة ..

هبة السهيلي يقول...

يا رفيق القهوة

دايما مشرفني ومنورني في المدونة كدا

وفعلا عندك حق "قل رأيك ... ولن أسمع"

عفانا الله وإياكم من العقول المغلقة

شكرا لكرمك

هبة السهيلي يقول...

الأستاذ \ الساحر ..

مرحبا بك بالمدونة

سعيدة أنها راقتك سيدي

حضرتك فعلا (جبت الخلاصة" مثلما يقولون "الخطأ المطلق والصواب المطلق"

لا يوجد فعلا ولكنها نسبية وتختلف باختلاف البيئة والمجتمع والعائلة وحتى الشخص ذاته)

والحوار اللامنطقي أراه حوارا عقيما لا ثمار له.

رحم الله الأستاذ العزيز "أحمد ديدات" فعلا فالخروج غلى التفرعات ما هي إلا مهاترات ...

حتى المثل العامي المصري يقول "قال علمني الخيابة يابا قاله تعالى في الهايفة واتصدر"

- مع التحفظ - فالكثير من الأمثال الشعبية أجد فيها حكمة

شكرا سيدي الفاضل على المرور المفيد والراقي